
في الحروب لا تقل المعركة الإعلامية خطورة عن المعركة العسكرية. فالحرب النفسية أصبحت أحد أهم الأسلحة التي تُستخدم للتأثير في الروح المعنوية للمقاتلين وبث الخوف في نفوس المدنيين، عبر سيل من الشائعات والتصريحات التي كثيرًا ما يكذبها الواقع الميداني.
وخلال الأيام التي سبقت التقدم الكبير للقوات المسلحة السودانية والقوات المساندة لها في المحور الغربي، امتلأت المنصات الإعلامية والوسائط الرقمية بأخبار تحدثت عن حصار مدينة الأبيض واقتراب سقوطها في أيدي قوات الدعم السريع. غير أن التطورات على الأرض جاءت مغايرة تمامًا، إذ تمكن الجيش من التقدم والوصول إلى عمق مناطق كانت خاضعة لسيطرة المليشيا، ليتبدد خطاب الدعاية أمام حقائق الميدان.
لقد هدفت تلك الحملات الإعلامية إلى إرباك المقاتلين وإثارة الذعر وسط المواطنين، ودفعهم إلى النزوح من المدينة. إلا أن الأبيض بقيت صامدة، فيما تراجعت المليشيا إلى أقصى غرب البلاد، معتمدة بصورة متزايدة على الطائرات المسيّرة في استهداف المدنيين والأعيان المدنية، بعد أن فقدت القدرة على فرض واقع جديد على الأرض.
وفي هذا السياق، جاء بيان وزير الخارجية والتعاون الدولي السفير محيي الدين سالم، أمام اجتماعات مجلس حقوق الإنسان في جنيف، ليسلط الضوء على ما تعرضت له مدينة الأبيض طوال أكثر من عامين من هجمات استهدفت المدارس والمستشفيات ورياض الأطفال ومحطات الكهرباء والمياه والوقود، وهي جميعها منشآت مدنية يحميها القانون الدولي الإنساني. وقد وجد البيان تفاعلًا داخل المجلس، وانتهى إلى إدانة الانتهاكات المنسوبة لقوات الدعم السريع، في حين تجنب تسمية الجهات التي تتهمها الحكومة السودانية بدعم تلك القوات، وهو ما يعكس تعقيدات المشهد السياسي والدبلوماسي الدولي.
ومع التحولات العسكرية الأخيرة، أصبحت الأولوية اليوم هي الاستجابة الإنسانية. فمدينة الأبيض تستضيف أعدادًا كبيرة من النازحين الذين فروا من مناطق النزاع في شمال وجنوب كردفان، وهم في أمسّ الحاجة إلى الغذاء والدواء والخدمات الأساسية. إن الانتصارات العسكرية، مهما كانت أهميتها، ينبغي أن تتزامن مع جهود إنسانية واسعة تحفظ كرامة المواطنين وتخفف من معاناتهم.
وفي هذا الإطار، جاء البيان الأول للأمين العام الجديد لجامعة الدول العربية، السفير نبيل فهمي، مؤكدًا دعمه لاستقرار السودان وسلامة المدنيين. غير أن المرحلة الراهنة تتطلب أكثر من بيانات الإدانة وإبداء القلق، فالمطلوب حضور ميداني فاعل، وبرامج إغاثة عاجلة، ومساندة عملية للمناطق المتضررة، وفي مقدمتها مدينة الأبيض التي تجاوزت مرحلة الحصار، لكنها ما تزال تواجه تحديات إنسانية كبيرة.
وفي المقابل، قامت منسقة الأمم المتحدة المقيمة ومنسقة الشؤون الإنسانية في السودان، دينيس براون، بزيارة ميدانية إلى مدينة الأبيض، تفقدت خلالها الأحياء المتضررة ومراكز الإيواء، واطلعت مباشرة على أوضاع المواطنين، كما بدأت الأمم المتحدة في تقديم مساعدات إنسانية للمتأثرين. ورغم محدودية تلك المساعدات، فإنها تمثل نموذجًا للتحرك الميداني الذي ينتظره السودانيون من مختلف المنظمات الإقليمية والدولية.
إن المرحلة المقبلة تستوجب انتقال المجتمعين الإقليمي والدولي من مربع البيانات إلى مربع الفعل، وأن تتضافر الجهود من أجل تخفيف المعاناة الإنسانية، ودعم الاستقرار، وتهيئة الظروف التي تفضي إلى سلام مستدام يحفظ وحدة السودان وسيادته.
ويبقى الطريق إلى السلام الحقيقي مرهونًا بوقف أسباب الصراع وتجفيف منابع دعمه، والالتزام بما تم الاتفاق عليه في المبادرات المطروحة، وفي مقدمتها منبر جدة، بما يضمن انسحاب القوات من المناطق المدنية، وتهيئة بيئة مناسبة لأي عملية سياسية جادة تقوم على إرادة السودانيين، بعيدًا عن ضغوط السلاح وإملاءات الخارج.
وهكذا، فإن ما يجري اليوم على الأرض يشير إلى أن معركة الميدان لا تُحسم بالقوة وحدها، وإنما كذلك بقدرة الدولة على حماية مواطنيها، وتعزيز صمودهم، والانتصار للحقيقة في مواجهة الدعاية، وهي معركة قد تكون بداية النهاية لمرحلة التمرد، وبداية مرحلة جديدة عنوانها استعادة الدولة وبناء السلام.



